مقال للسيد م.م. نبيل خالد مخلف – باحث وأكاديمي
مع دخول السودان عامه الثالث من الحرب المستعرة، تصاعدت التوترات السياسية والعسكرية في البلاد بشكل لافت، ففي خطوة تحمل دلالات خطيرة، أعلن "محمد حمدان دقلو"، المعروف باسم "حميدتي" وقائد قوات الدعم السريع، عن مساعيه لتشكيل حكومة موازية في إقليم دارفور، الأمر الذي عمّق الانقسام السياسي وزاد من تعقيدات النزاع القائم وفي مقابل ذلك سعت القوات المسلحة السودانية بقيادة "البرهان"، إلى تعزيز موقعها على الساحة الدولية، بعد أن رفعت قضية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، متهمة دولة (الإمارات)، بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية من خلال دعمها لقوات الدعم السريع، ورغم أن المحكمة رفضت الدعوى مؤخراً، إلا أن الجيش استغل القضية لكسب زخم سياسي ودبلوماسي، وتقديم نفسه كطرف شرعي يسعى لإعادة الاستقرار إلى البلاد.
وعلى الرغم من المعاناة الشديدة التي يكابدها المدنيون من القتال والنزوح والعنف المستمر، يتضح أن الطرفين المتنازعين (الدعم السريع والجيش)، يتنافسان على الشرعية المحلية والدولية، مع تجاهلهما الواضح لمطالب الشعب في الحكم المدني، فرغم اختلاف أدواتهما، يشترك الطرفان في التمسك بالحكم العسكري الاستبدادي، إذ كان إسقاط نظام "البشير"، عام 2019 كان بمثابة بارقة أمل نحو بناء دولة ديمقراطية بقيادة مدنية تسعى إلى إنقاذ الاقتصاد المنهار واستعادة كرامة دورها، غير أن تلك الآمال سرعان ما تبخرت مع تصاعد الصراع المسلح، وتحول طموحات التحول الديمقراطي إلى كابوس دموي، وسط تجاهل ممنهج للقوى المدنية التي تقود جهود الإغاثة والمساندة في أوقات الحرب.
وعلى أثر هذه الأوضاع، عُدت قوات الدعم السريع امتداداً لمليشيات "الجنجويد"، التي ارتكبت فظائع جماعية بحق المدنيين في دارفور مطلع الألفية، ولا تزال حتى اليوم متورطة في انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، أبرزها الهجمات الأخيرة في ولاية شمال دارفور، حيث استهدفت المدنيين في مدينة الفاشر ومخيم زمزم للنازحين، مما أدى إلى مقتل مئات الأفراد وإجبار منظمات الإغاثة على الانسحاب وترك مهامهم الإنسانية.
والجدير بالذكر هنا أنهُ في أواخر ولاية الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، صرح وزير الخارجية "أنتوني بلينكن"، بأن قوات الدعم السريع ترتكب "إبادة جماعية" في السودان، مشيراً إلى التطهير العرقي والعنف الجنسي والانتهاكات الواسعة، وهذا ما أكدتهُ بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، مع وجود أدلة موثقة على جرائم ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وبالرغم من الإدانة الدولية لتشكيل حكومة موازية من قبل الدعم السريع، فقد شرع هذا التشكيل في بناء شرعيته عبر اجتماعات إقليمية، كان أبرزها لقاء عُقد في (كينيا)، في فبراير الماضي، ومنح هذا الزخم الدبلوماسي غطاء سياسي يسمح بمواصلة الأعمال العدائية من دون مساءلة، لا سيما في ظل اتهامات متكررة للإمارات بتقديم دعم مالي وعسكري لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبو ظبي. في المقابل، لا يُعد جيش السودان بديلاً شرعياً لمستقبل الدولة بعد الحرب، نظراً لتورطه هو الآخر في أعمال قصف عشوائي للأحياء المدنية، وقمعه المتواصل للمنظمات المدنية، وسوء استغلاله للسلطة الإدارية في وقت الأزمة، وقد وثقت تقارير "هيومن رايتس ووتش"، انتهاكات الجيش بحق المدنيين، بما في ذلك القصف الجوي للمستشفيات، وارتكاب أعمال عنف جنسي، وتقييد وصول المساعدات الإنسانية. لقد تكررت ممارسات الجيش في منع الإغاثة وتخوين الجهات المدنية الفاعلة وعرقلة عمل غرف الطوارئ وبنوك الطعام، مما أدى إلى تعميق الأزمة الإنسانية، ومنع الجهود الشعبية من التخفيف من تداعيات الحرب.
ولا مناص من القول أن خلف هذا الصراع، يقف شعبٌ أنهكته الحرب، قُتل منه أكثر من 160 ألف شخص، وتعرض أكثر من 15 مليوناً للنزوح، وتعمّقت الكارثة الإنسانية بفعل الجوع والمرض وانهيار البنية التحتية والخدمات، مع تجاهل دولي لصوت المدنيين، ففي (مؤتمر لندن حول السودان)، حضر ممثلون من طرفي النزاع والدول الإقليمية، بينما غاب تماماً أي تمثيل لقوى الثورة المدنية، أو المنظمات المجتمعية التي تقود جهود البقاء منذ اندلاع الحرب، مما يزيد من فقدان الثقة في هذه المساعي، هو التناقض الصارخ بين الشعارات والواقع ففي الوقت الذي تدعو فيه بعض الدول إلى تشكيل "حكومة مدنية مستقلة"، تدعم أطرافاً مسلحة متورطة في جرائم موثقة، ورغم صعوبة استبعاد القوات المسلحة والدعم السريع من أي مفاوضات سلام، يتوجب على المجتمع الدولي أن يُصرّ على أن يكون الحل جذرياً، لا مجرد وقف إطلاق نار مؤقت، وأن يُمنح المجتمع المدني السوداني الدور المحوري في أي عملية سياسية قادمة، فقد أثبت السودانيون خلال السنوات الماضية أنهم الطرف الأكثر التزاماً بتحقيق الاستقرار، فمنذ ثورة 2019، ظهرت هياكل شعبية مثل غرف الطوارئ، التي قامت بمهام المنظومة الطبية المنهارة، ووفرت المطابخ المجتمعية الطعام للمحتاجين، ونظّمت مبادرات لتمكين النساء، ودعمت ضحايا العنف الجنسي، وساهمت في الحفاظ على الحياة في ظل انعدام الأمن الغذائي وانهيار الدولة. هذه المبادرات، التي غالباً ما تُدار من قبل شبان وشابات في مقتبل العمر، هي التي حافظت على تماسك المجتمع السوداني، ويجب أن تكون هذه القوى المدنية، بكل تنوعها، في صدارة أي مفاوضات لبناء السلام، فإن المجتمع المدني في السودان قادر على إدارة الأزمات، ومن الضروري أن تشمل العملية السياسية شخصيات مستقلة وموثوقة من هذه المنظمات، بدلاً من إعادة تدوير وجوه فشلت سابقاً، كما في حالة رئيس الوزراء السابق "حمدوك"، الذي أثار ترشحه للعودة جدلاً واسعاً.
بالتالي، لقد اختُزل الصراع السوداني ظلماً في كونه حرباً أهلية بين فصيلين، في حين أن جذوره أعمق بكثير، وتشمل إرثاً من القمع والفساد، وتدخلات إقليمية ودولية، لكن في خضم هذا المشهد القاتم، لا يزال الأمل معقوداً على الشعب السوداني، الذي أثبت أنه يستحق حكماً مدنياً عادلاً، وأنه قادر على بناء مستقبل أفضل لو مُنح الفرصة.