الأثر الدستوري لقرارات مجلس الوزراء في مجال الإعفاء الضريبي
يتناول هذا المقال الأبعاد الدستورية لقرارات مجلس الوزراء المتعلقة بالإعفاء الضريبي، ويحلل مدى اتساقها مع القواعد الدستورية المنظمة لهذا الموضوع، مع تسليط الضوء على بعض القرارات المثيرة للجدل ومدى قابليتها للطعن أمام الجهات المختصة، كما يناقش أهمية الالتزام بمبدأ قانونية الضريبة كضمانة للحفاظ على التوازن بين السلطات ومنع تجاوز أي جهة لصلاحياتها المحددة دستوريًا:
إن السلطة التنفيذية، ممثلةً بمجلس الوزراء، هي الجهة المختصة دستوريًا بإصدار القرارات الإدارية، والتي تنقسم إلى نوعين: قرارات إدارية عامة وقرارات إدارية فردية، وتشمل الأنظمة والتعليمات التي تُعد أداة أساسية لتنفيذ القوانين، بما فيها القانون الضريبي. وقد نصَّت المادة (80/ ثالثًا) من دستور العراق لعام 2005 على اختصاصات مجلس الوزراء، إذ جاء فيها: "يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية: ثالثًا: إصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين".
ومن المبادئ الدستورية الراسخة، مبدأ قانونية الضريبة، حيث جعل الدستور الإعفاء الضريبي من ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطة التشريعية، وفقًا لما ورد في المادة (28/ أولًا) من الدستور: "لا تُفرض الضرائب والرسوم، ولا تُعدل، ولا تُجبى، ولا يُعفى منها إلا بقانون". وعليه، فإن دور مجلس الوزراء يقتصر على إصدار القرارات التنظيمية التي تسهِّل تنفيذ النصوص القانونية، بما في ذلك القوانين الضريبية المتعلقة بالفرض والتعديل والجباية والإعفاء. وبذلك، فإن مجلس الوزراء مخوَّل بإصدار قرارات إدارية تنفيذية فقط، ولا يحق له إصدار قرارات تخالف نصوص الدستور، وإلا كان ذلك مخالفًا لمبدأ الفصل بين السلطات.
فالسلطة التشريعية هي الجهة الوحيدة المخوَّلة بإصدار القوانين، بما في ذلك القانون الضريبي بجميع عناصره، حيث يُعتبر الإعفاء الضريبي أحد العناصر الجوهرية لمبدأ قانونية الضريبة، مما يجعله اختصاصًا حصريًا للسلطة التشريعية. ولا يجوز لأي سلطة أخرى، بما فيها السلطة التنفيذية، أن تمارس صلاحيات لم يمنحها لها المشرع الدستوري.
وبناءً على ذلك، فإن مبدأ قانونية الضريبة يترتب عليه عدم جواز التفويض في الاختصاصات الدستورية للسلطات الأخرى، إذ يُعدُّ هذا الاختصاص من الصلاحيات الحصرية للسلطة التشريعية التي منحها لها الدستور، وبالتالي لا يجوز تفويض الاختصاصات المفوضة.
إلا أن الواقع العملي يكشف عن خروقات لهذا المبدأ الدستوري من قِبَل مجلس الوزراء، حيث قام بإصدار قرارات بالإعفاء الضريبي دون أن يكون لهذه القرارات سند دستوري يخول له ذلك، وهو ما يُعدُّ مخالفًا لنص المادة (28/ أولًا) من الدستور العراقي، التي جعلت الإعفاء الضريبي من بين الاختصاصات الحصرية غير القابلة للتفويض.
أمثلة على المخالفات الدستورية:
قرار مجلس الوزراء رقم (311) لسنة 2015، الذي نصَّ على: "إطفاء الديون المتحققة بذمة العاملين في القطاعات العام والخاص والمختلط استنادًا إلى أحكام الفقرة (11) من القسم الرابع من قانون الإدارة المالية والدين العام رقم 95 لسنة 2004 والبند أولًا من قرار مجلس الوزراء رقم (72) لعام 2014".
قرار مجلس الوزراء رقم (24) لسنة 2021، الذي تضمن: "الموافقة على التنازل عن مبلغ ضريبة الدخل عن إصدار سندات جمهورية العراق لسنة 2006 المترتبة بذمة المصرف التجاري العراقي حصريًا للسنوات من 2006 إلى 2017، والبالغ قدره ...".
إن هذه القرارات تُعد خرقًا صريحًا لنصوص الدستور العراقي لعام 2005، إذ كان ينبغي لمجلس الوزراء، وفقًا للدستور، أن يتجه إلى تقديم مقترحات لمشروعات قوانين تتضمن الإعفاء الضريبي، بدلاً من اتخاذ قرارات مباشرة تُخالف المبادئ الدستورية. فالمشرع الدستوري منح مجلس الوزراء صلاحية تقديم مقترحات تشريعية، كما ورد في المادة (80/ ثانيًا) من الدستور: "يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية: ثانيًا: اقتراح مشروعات القوانين". وبالتالي، فإن أي قرار يصدر عن مجلس الوزراء يجب أن يكون متسقًا مع أحكام الدستور، وإلا أصبح عرضة للطعن أمام الجهات القضائية المختصة.